عبد الوهاب الشعراني
189
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
بعض زاغ « 1 » نظر بعض النّاس ، فقال إنّ اللّه - تعالى - غنيّ عن وجود « 2 » العالم ، لا عن ثبوته في علمه ، وهذه من أكبر زلّات تقع للعلماء « 3 » ، فإنّ كون العالم ثابتا في العلم الإلهيّ مع غناه عنه ، وعن إيجاده ، لا يصحّ وصف الحقّ - تعالى - بالافتقار إليه ، وإذا تعارض عند المحقّق آيتان أو حديثان أحدهما يعطي التّنزيه ، والثّاني يعطي التّشبيه ، فمن الواجب عليه الأخذ بما يوجب التّنزيه ، وإن تعارض ذلك عند بعض النّاس ، فذلك راجع إلى الحقّ - تعالى - لا إلى العبد . قلت : وإيضاح ذلك أنّ العالم لمّا كان ثابتا في العلم وقع به الاكتفاء والاستغناء عن إيجاده وعن وجوده ، فإنّه وفّى الألوهيّة حقّها بإمكانه ، ولولا أنّ الممكنات طلبت من اللّه - تعالى - بلسان الافتقار أن يذيقها طعم الوجود ، كما ذاقت طعم العدم ، ما أظهرها ، فإنّها سئلت بلسان ثبوتها في علم واجب الوجود أنّه - تعالى - يخرجها من العدم ، ويوجد أعيانها ليكون العلم لها ذوقا ، فأوجدها لها لا له سبحانه وتعالى ؛ إذ هو الغنيّ عن وجودها ، وعن كون وجودها دليلا عليه ، أو علامة على ثبوته ، بل الذي نقول به : إنّ وجودها كعدمها بالنّسبة للدّلالة عليه تعالى ، فإنّ كلّ شيء رحمه الحقّ - تعالى - من عدم أو وجود حصل به المقصود من العلم بكمال اللّه - تعالى - « 4 » وجلاله ، فلهذا قلنا إنّ غناه - تعالى - عن العالم هو عين غناه عن وجود العالم . قال سيّدي عليّ المرصفيّ : وهذه مسألة غريبة ذكرها الشّيخ في " الفتوحات " ، قال : ووجه غرابتها أنّ فيها اتّصاف الممكن بالعدم في الأزل ، وكون الأزل لا يقبل التّرجيح ، وكيف قبله الممكن مع أزليّته ؛ وذلك أنّه من حيث ما هو ممكن لنفسه ، استوى في حقّه القبول للحكمين ، فما يعرض « 5 » له حال عدم إلّا ويعرض له حال وجودها « 6 » ، فما كان له الحكم فيه حال الفرضين فهو مرجّح ، فالتّرجيح ينسحب على الممكن أزلا في
--> ( 1 ) " د " ، " ز " : " ز ل " . ( 2 ) " ك " ، " ب " ، " ز " : " إيجاد العالم " . ( 3 ) " د " : " للعلماء " ساقطة . ( 4 ) " ك " ، " ب " : " تعالى " ليست فيهما . ( 5 ) " ك " : " يفرض " ، وهو تصحيف من الناسخ . ( 6 ) " ك " ، " ز " : " وجود " .